لجان مناقشة الرسائل الجامعية وضمان العدالة الأكاديمية - الدكتور طلال ناظم الزهيري

الاثنين، 26 يناير 2026

لجان مناقشة الرسائل الجامعية وضمان العدالة الأكاديمية

 تُعد لجان مناقشة رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه إحدى الركائز الأساسية لضمان جودة البحث العلمي وصيانة المعايير الأكاديمية في الجامعات. غير أن هذه اللجان، في السياق الجامعي العراقي، أصبحت في السنوات الأخيرة محل نقاش وجدال، ليس بسبب دورها المبدئي، بل بسبب ممارسات رافقت عمل بعضها وأثرت في مصداقية قراراتها. من الناحية النظرية، يفترض أن تكون لجنة المناقشة تجسيدًا للموضوعية العلمية، وأن تمثل حكمًا محايدًا على نتاج بحثي استوفى شروطه المنهجية والعلمية. إلا أن الواقع يشير، في بعض الحالات، إلى أن قرارات هذه اللجان قد تتأثر بعوامل خارج الإطار الأكاديمي الخالص، كالمجاملة، أو العلاقات الشخصية، أو الخلافات بين الأساتذة، وهو ما ينعكس مباشرة على الطالب، إما بمنحه ما لا يستحق، أو بحرمانه مما يستحق. وقد لوحظ أن آلية تشكيل بعض اللجان لا تخلو من إشكاليات، إذ تُمنح لرئيس القسم صلاحيات واسعة تكاد تكون مطلقة، ما يجعل عملية الاختيار خاضعة للاجتهاد الشخصي أكثر من خضوعها لمعايير واضحة ومعلنة. وفي بعض الأحيان، تُشكَّل لجان تتلاءم مع رغبات المشرف أو توجهاته، لا مع طبيعة الموضوع أو مصلحة الطالب. ومع ذلك، لا يجوز تعميم هذا النقد، فهناك لجان منضبطة تؤدي عملها بمهنية عالية وتُشكّل نماذج يُحتذى بها. إن الإشكالية لا تكمن في وجود تقصير فردي هنا أو هناك، بل في غياب منظومة وقائية تقلل من أثر التفاوت العلمي بين المشرفين، وتحمي الطالب من نتائج لا يتحمل مسؤوليتها وحده. فالطالب ليس مسؤولًا عن مستوى التأهيل العلمي لمشرفه، ولا عن محدودية خبرته في بعض التخصصات الدقيقة، ومن غير العادل أن يُحاسَب على ذلك في لحظة المناقشة النهائية. من هنا، يبرز الحل في إعادة الاعتبار لآلية أكاديمية أصيلة أثبتت فاعليتها في الجامعات الرصينة، وهي جلسات السمنار المرحلية. فبدل أن تكون المناقشة النهائية هي المحطة الأولى والأخيرة لتقويم العمل، ينبغي أن يمر البحث بمراحل مراجعة جماعية منظمة. ويُقترح أن يخضع طالب الماجستير إلى جلستين للسمنار: الأولى بعد إكمال الجانب النظري، والثانية بعد إنجاز الجانب العملي، تُعرض فيهما الرسالة أمام لجنة من المختصين لتقديم ملاحظات علمية بنّاءة. وينسحب هذا المقترح على طالب الدكتوراه كذلك، على أن تُعقد جلسات السمنار وفق معايير واضحة، وبمشاركة أساتذة من ذوي الاختصاص الدقيق، ويُفضّل أن يكون من شارك في السمنار مرشحًا لاحقًا لعضوية لجنة المناقشة النهائية. كما ينبغي توثيق مخرجات هذه الجلسات بمحاضر رسمية تُحال إلى لجنة المناقشة، لضمان الاتساق في الملاحظات وعدم التناقض في التقييم. إن تفعيل السمنار بهذا الشكل لا يختصر زمن المناقشة النهائية فحسب، بل يحوّلها إلى نقاش علمي ناضج، ويمنح الطالب فرصة حقيقية لتحسين عمله، ويحدّ من المفاجآت أو الأحكام المتناقضة. كما أنه يرسّخ مبدأ المسؤولية الجماعية في الإشراف والتقويم، بدل اختزالها في شخص واحد.

ختامًا، فإن إصلاح آلية لجان المناقشات لا يستهدف التشكيك بالمؤسسة الأكاديمية، بل يسعى إلى تعزيز عدالتها وشفافيتها. وإعادة تنظيم السمنار وتفعيله بجدية يمثل خطوة عملية نحو استعادة الثقة بالعملية العلمية، وضمان أن تكون المناقشة تتويجًا لمسار أكاديمي رصين، لا ساحة للمجاملة أو تصفية الحسابات.

نقلا عن جريدة الصباح

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق