مدونة الدكتور طلال ناظم الزهيري...استاذ المعلومات والمكتبات في الجامعة المستنصرية... متخصصة بنشر الدراسات والبحوث في مجال تكنولوجيا المعلومات والمكتبات

الثلاثاء، 31 مايو، 2016

الـ Ontology ودورها في تنظيم المعرفة





الدكتور طلال ناظم الزهيري

استاذ المعلومات في الجامعة المستنصرية





السؤال الفلسفي الشهير(البيضة كانت قبل أم الدجاجة.؟) يعد منطلقاً جيدا لفهم معنى الانطولوجيا فلسفياً بادئ ذي بدأ، ومعرفياً لاحقاً، وقبلهما علينا ان نفهم المعنى اللغوي للـ [Ontology]. هي كلمة يونانية الأصل تتالف من مقطعين [Onto]  وتعني الوجود،  و[Logia] وتعني علم. اي علم الوجود او دراسة الوجود. لكن ما علاقة علم الوجود بالخلاف التاريخي بين البيضة والدجاجة لاثبات النسب؟. هنا تكمن العلة. اسبقية الوجود تعني اصل الانواع. بمعنى اخر انك عندما تنظر الى شجرة باسقة ستقول، ما كان لهذه الشجرة من أوراق، لولا وجود الأغصان، ولا أغصان بدون جذع ، ولا يمكن للجذع ان ينمو ويستقر بدون وجود الجذور، وما كان للجذور من وجود لولا النوى. ولو ذهب فلاسفة اليونان الى هذا التقريب للمعنى لكان الحال افضل للفلاسفة من بعدهم للبت في قضية البيضة والدجاجة. ونحن هنا ما نزال ندور في دائرة البحث في الاسس الفلسفية لعلم الوجود. ولاني لا امتلك مهارة الفلاسفة في الجدال والتحليل سوف استعير منهم رؤيتهم في التعريف بعلم الوجود [Ontology] . والذي يلخص في قولهم هو العلم الذي يبحث في طبيعة الوجود الاولية، او هو العلم الذي يدرس الوجود بذاته، الوجود بما هو موجود، مستقلاً عن أشكاله الخاصة، ويُعنى بالأمور العامة التي لا تختص بقسم من أقسام الوجود، المتمثلة بالواجب والجوهر والعرض، بل تعمم على جميع الموجودات من حيث هي كذلك.!!!!( ولا انكركم القول اني لم افهم شئ من هذا التعريف!!). كان الله بعون طلاب الفلسفة. لذا احاول هنا الابتعاد قدر ما استطيع عن المعنى الفلسفي للمصطلح، لما فيه من تباين واختلاف في وجهات النظر بين المدارس الفلسفية الغربية والشرقية. واحاول ان انقل ما فهمته من الكتابات الفلسفية حول معنى علم الوجود، الذي يهدف الى الاستدلال على الموجود اما مادياً كونه ملمومسا ( الصخرة) او محسوساً ( الريح) او منظوراً ( الغيوم). أو الاستدلال المنطقي، وهو الاكثر تعقيدا ومثارا للجدل كونه يربط بين الفعل والفاعل. والعلة والمعلول، اي الاستدلال على الفاعل من خلال الاقرار بوجود الفعل. وصولا للقضية الاهم وهي الاستدلال على الخَالق من خلال الاقرار بوجود الخَلقفاذا ما شعرت بسقوط قطرات المطر على راسك باعتبارها وجود مادي محسوس، سوف ترفع نظرك الى اعلى للبحث عن مصدر المطر، ومن المنطقي ان تربط سقوط المطر بوجود الغيوم المادي المنظور، وعندما تشاهد الغيوم تتحرك، اكيد سوف تفترض ان هناك قوة ما تحركها، وهي الرياح الموجود المحسوس بالاستدلال المنطقي، ولا بد من البحث عن اصل الغيوم وهو الماء المادي  الملموس، لكن الماء لا يتحول الى بخار ماء الى بوجود حرارة الموجود بالاستدلال المنطقي، وطالما هناك حرارة لا بد من ان يكون هناك مصدر لها وهي الشمس، بالتالي الشمس موجود مادي منظور ينتج عنه موجود محسوس يسهم في المحصلة النهائية بسقوط المطر. ( يظهر اني اصبت بعدوى الفلاسفة ) . الافضل ان نبتعد قدر الامكان عن المنظور الفلسفي لنبحث عن الوجود من منظور علماء الاجتماع  الذين يصنفوا الوجود الى المادي الملموس مثل الجبال والرمال والمياه..الخ، وهو في صلب اهتمام علم الجيولوجي. والوجود العضوي مثل الكائنات الحية تقع في صلب اهتمام علم البايولوجي. واخيرا الوجود الاجتماعي وهو كل ما يصدر عن المجتمعات البشرية من افعال واقوال...الخ. وهي مسؤولية علم الانثروبولوجي. السؤال الاهم الآن اذا كانت [Ontology] علم الوجود هي في صلب اهتمام الباحثين في الفلسفة وعلم الاجتماع.؟ أذن ما علاقتها بعلم المعلومات حتى تظهر في مقالات وموضوعات مختلفة، بدأ من تصنيف المعرفة مرورا بالويب الدلالي وانتهاءً هندسة المعلومات.؟ الجواب ببساطة ان الانطولوجيا تقدم رؤية موضوعية لحقيقية العلاقات بين الموجودات. لذا ليس من الغريب ان يرتبط مصطلح [Ontology] مع مفاهيم موضوعية متنوعة مثل انطولوجيا اللغة والادب والحب والمعرفة والوجود ...الخ. انها ببساطة تقدم فلسفة تصنيف منطقية يمكن استعارتها والافادة منها في مجال تنظيم المعرفة. هذه الفلسفة قائمة على مبدأ انشاء التكتلات العلائقية. والتي تحدد او يتم اختيارها على اساس الخصائص المشتركة، والتي قد تكون صفة او نشاط او موضوع، وعلى اساسها تجمع كل حاملي هذه الصفة او المشتركين في آداء هذا النشاط او المتخصصين في ذات الموضوع في تكتل واحد. لذا عندما تسمع مصطلح (انطولوجيا الشعر) فهذا يعني تكتل يجمع مجموعة من الشعراء وفقا للعلاقات والعناصر مشتركة بينهم. في مجال المعرفة البشرية تلعب العلاقات والخصائص المشتركة دورا حيويا ومهم في تحقيق التطور والاستمرار. وقبل ان نبدأ في التعريف بالأنطولوجيا من المنظور المعرفي لابد ان نستدرك المقاربة بين مصطلح [Taxonomy] الذي شبهناه في مقال سابق بتصنيف الشجرة. وبين مصطلح الـ [Ontology] الذي نصفه هنا بتصنيف الغابة التي قد تحتوي على عدد كبير من الأشجار. اذن الـ [Ontology] هو في الواقع مجموعة من [Taxonomy].


وعلى صعيد الافادة من الانطولوجيا في مجال تنظيم المعرفة البشرية اعتقد ان ( ميلفل ديوي) كان قد طبق الانطولوجيا حرفيا عندما صنف المعرفة البشرية الى تصنيفات فرعية على اساس العلاقات والتقارب الموضوعي او الاصل الفلسفي للعلوم. و يمكن القول ان تصنيف ديوي في الواقع هو عبارة عن تصنيفات متعددة ينطبق على كل منها مفهوم [Taxonomy] ، الذي عرفناه في مقال سابق بانه نظام لتصنيف وتنظيم وترتيب وتجميع الاشياء وفقا لخصائصها المشتركة وصفاتها المتشابة وعلاقاتها الطبيعية. او بمعنى اخر هو عبارة عن تكتلات موضوعية يجمعها اصل موضوعي واحد. بالتالي ما يميز تصنيف ديوي العشري هو امكانية التعامل بشكل مستقل مع كل فرع من فروع تصنيف المعرفة على حده. اذن هل يمكن القول ان مصطلح العشري مرتبط اصلا بوجود عشرة تصانيف جمعت في تكتل واحد اطلق عليه تصنيف ديوي العشري..( انطولوجيا ديوي).؟ وكما ممثلة في الشكل الاتي:


الجواب بكل تاكيد نعم. ولعل من ابرز نقاط القوة في نظام ديوي هو امكانية أن تختزل تصنيف الفلسفة على سبيل المثال لتصنيف مصادر مكتبة متخصصة بالنتاج الفكري الفلسفي، وهكذا الحال بالنسبة الى التصنيفات الاخرى. وكما في الشكل الاتي :

هذا هو الاستثمار الاول للـ [Ontology] في مجال تنظيم وتصنيف المعرفة البشرية. اما في البيئة الرقمية فهناك تطبيقات متنوعة لها، لعل الابرز بينها هو دليل البحث [Yahoo]، الذي يستثمر مفهوم [Ontology] في حدود تجميع الاشياء المتشابة في تكتلات موضوعية. لغرض تنظيم المحتوى الرقمي للانترنت وتصنيف صفحات الويب بشكل موضوعي لتضيق دائرة البحث في حدود الموضوع بالتالي يضمن دقة اعلى في النتائج المسترجعة وسرعة اكبر في الاسترجاع. علما ان آلية عمل محرك البحث [Yahoo] تختلف عن تلك التي يعمل بها محرك البحث [Google] الذي يعتمد على منطق الربط اللاحق بين المصطلحات الموضوعية. والذي يقصد به ان مسؤولية ربط الموضوعات مع بعض يتوقف على المستخدم نفسه، بمعنى ادق ان بناء التكتل الموضوعي يتوقف على استراتيجية البحث التي ينفذها المستفيد. على سبيل المثال الاستعلام عن مصطلح [varies] في محرك البحث [Google] يذهب بنا مباشرة الى البرامج الحاسوبية. الا اذ ربط المستخدم المصطلح بمرض معين. اما في [Yahoo] يمكن تحديد الصحة كتصنيف عام للموضوع والبحث عن المصطلح نفسه سوف يؤدي الى استرجاع ماله علاقة بالامراض فقط لوجود ربط سابق بين التفريعات الموضوعية وتصنيفاتها العامة. لان محرك البحث اقتصر في بحثه على مجال الصحة فقط واهمل ما عداها. كما في الشكل الاتي:


اما المستقبل الحقيقي لها سوف يكون مع الويب الدلالي الذي سوف نقدم له مقال لاحق. ختاما يمكن القول ان [Ontology] من منظور المعرفة وعلم المعلومات. هي نظام لتصنيف المعرفة البشرية وفقا لخصائصها الموضوعية وعلاقاتها الهرمية من خلال بناء تجمعات او تكتلات تحمل الصفات المشتركة. وفي البيئة الرقمية هي آلية لتنظيم الكم الهائل من المعلومات من خلال تحقيق الترابط التام بين المفاهيم الموضوعية الفرعية واصولها الرئيسية.كذلك الحال بالنسبة لموقع [YouTube] الذي فاق كل التوقعات بعدد مقاطع الفيديو المنشورة فيه حتى بالنسبة لمطوري الموقع انفسهم. مع هذا لايزال عمل الموقع يحقق جذب واهتمام كبيرين لمستخدمي الانترنت. بسبب التنظيم الدقيق لمقاطع الفيديو خاصة بالنسبة للتصنيفات العامة للقنوات التي تتطابق مفاهيم [Ontology]. يكفي ان تشعر ان الموقع يرشح لك مقاطع الفيديو الاقرب لموضوع المقطع الذي تم تشغيله او أن يعرض لك مجموعة من المرشحات المناسبة والمستنده على التصنيف العام للمقطع الذي طلبته. ومن التطبيقات المهمة للـ [Ontology]  في الشبكات الاجتماعية مثل [Facebook] الذي يستثمر مبادئها في بناء المجموعات وفقا لاهتمامات متماثلة بين المشتركين، فضلا عن تصنيف المشتركين وفقا لخصائص وصفات  تجمعهم. ومما لا شك فيه ان التحكم بالعدد الهائل من صفحات المشتركين في الفيس بوك والحفاظ على طريقة منظمة لبث وتداول المنشورات رغم ضخامتها ما كان ان يتحقق لولا استعانة مطوري الموقع بمبادئ  [Ontology] لتصنيف الصفحات ومحتوياتها.