مدونة الدكتور طلال ناظم الزهيري...استاذ المعلومات والمكتبات في الجامعة المستنصرية... متخصصة بنشر الدراسات والبحوث في مجال تكنولوجيا المعلومات والمكتبات

السبت، 24 سبتمبر، 2016

التوثيق والأرشفة: التكامل والاختلاف




الاستاذ الدكتور
طلال ناظم الزهيري
استاذ علم المعلومات في الجامعة المستنصرية
التوثيق مصطلح شائع في دراسات وبحوث المتخصصين في مجال المعلومات، وهو احد اهم العمليات المهارية التي يتوجب على المتخصص إدقانها. بالتالي اصبح التعريف الإصطلاحي شائعاً ولا يتطلب ذلك الجهد من الباحث للوصول الى تعاريف شتى لهذا المصطلح ولمختلف الباحثين من مشارق الارض ومغاربها. لكن علينا الاقرار ايضا ان كثرة التعاريف وتداخل الخلفيات المعرفية والتخصصية للباحثين كانت قد أسهمت في ابعاد الجانب المفاهيمي للمصطلح عن الجانب التطبيقي له. وعليه لم نجد تعريف جامع مانع لهذا المصطح يحدد بدقة المعنى الحقيقية له. فعلماء التاريخ عرفوا التوثيق على انه ( علم من علوم التاريخ لحفظ المعلومات وتنسيقها وتبويبها وترتيبها وإعدادها لجعلها مادة أولية للبحث والفائدة وهو علم مهم لحفظ النتاج الإبداعي الإنساني). في الوقت الذي عرفه علماء المعلومات. ( هو علم السيطرة على المعلومات التي يمكن أن تتضمن الوثيقة و الكتاب و الصورة والتسجيلات الصوتية والفيديوية والنصوص الإلكترونية و العمليات الفنية التقليدية كالتجميع والاختزان والفهرسة والتصنيف.) وللاسف ان كلا التعريفين بعيدين كل البعد عن المعنى التطبيقي لعملية التوثيق. نعم التوثيق من وجهة نظري هو اجراء تطبيقي وعملية منهجية يراد منها تثبيت الاحداث في زمن حدوثها للحفاظ على مصداقيتها واصلاتها من خلال تسجيلها باستخدام ادوات التسجيل المتاحة والمعروفة والتي قد تكون ( نصاً ورقية ام رقمياً ام تسجيلا صوتياً، ام مرئياً ام صورياً. ) وعليه فأن فهمي لعملية التوثيق تختلف اختلافاً جذريا مع من يقول ان عملية التوثيق تهدف الى السيطرة على الوثائق كما ذهب علماء المعلومات، او انها تهدف الى حفظ الوثائق كما ذهب علماء التاريخ. وقبل ان تتفق او تختلف معي علينا ان نجيب على التساؤل الاتي : هل ظهور الوثيقة سابق ام لاحق لعملية التوثيق..؟ الجواب بكل تاكيد من وجهة نظر علماء التاريخ والمعلومات هو ان الوثيقة (المعلومات) تكون سابقة اي ان ظهور الوثيقة هو الذي دفعنا الى التفكير في عملية توثيقها.!. وهنا جوهر الاختلاف. انا اجد ان الوثيقة هي ناتج عملية التوثيق بالتالي دور التوثيق ينتهي بظهور الوثيقة. السؤال كيف.؟ دعوني ابسط الامور اكثر. من الشواهد التاريخية المعروفة عالمياً، وجود رسوم على جدران الكهوف رسمها الانسان في العصر الحجري. وبغض النظر عن موضوع هذه الرسوم، لايختلف احد على انها احدى اهم الوثائق التاريخية.
والان لنعود ادراجنا الى العصر الحجري ونعيد كتابة سيناريو عملية الرسم.: الحدث هو رحلة صيد لرجال القبيلة عادوا منها بصيد وفير، فضلا عن قصة تحكي تفاصيل الحدث وكيف نفذ رجال القبيلية عملية الصيد مع كل ما تحمله القصة من احداث قد يكون البعض منها مؤلم بفقدانهم احد، او مفرح بسلامتهم جميعا مع عدد جيد من الطرائد. احداث مثل هذه كان يمكن ان تنسى وتمحى من الذاكر ما لم يتم توثيقها (تثبيتها). ان عملية التوثيق تبدأ الآن عندما يتم نقل تفاصيل حدث الصيد على شكل احداث مصورة تحكي القصة كاملة. بالتالي وبشواهد هذه القصة نكون قد انتجنا وثيقة. ومن حقنا ان نسال ما هي الغاية من كل هذا.؟ ببساطة ان الانسان في العصر الحجري ادرك اهمية ما نصطلح عليه اليوم (الذاكرة الخارجية) وكان مهتما بنقل الاحداث الى الاجيال اللاحقة من خلال توثيقها. اذن هل هذا يعني اننا نتفق مع وجهة النظر التي تقول ان التوثيق هو عملية حفظ في شكل من اشكالها. اقول نعم لكن الاختلاف عندي هو ان فلسفة الحفظ تنتهي بانتاج الوثيقة. بمعنى ان ظهور الوثيقة هو الكفيل بحفظ الحدث. وليس كما يذهب البعض ان التوثيق معني بالاجراءات والعمليات التي من شأنها حفظ الوثائق. اذن آلية التوثيق من وجهة نظري هي حدوث الحدث ثم تحول الحدث الى رواية ليتم توثيقها ونقلها الى وثيقة . كما في المخطط الاتي :
 والحدث عندي مفهوم مطلق غير محدد اي ان مباراة في كرة القدم بين فريقين هي حدث واتفاقية سايكس بيكو هي حدث، وعقد قران بين رجل وامرأة هو حدث ايضاً...الخ. وبالتاكيد فأن حجم ومدى الحدث الزمني يمكن ان يسهم في ظهور آلاف الوثائق مثل حرب اكتوبر او الثورة الفرنسية او اغتيال جون كنيدي. اصل الى القول ان ما اصر عليه الآن هو ان عملية التوثيق تسبق ظهور الوثيقة بأي حال من الاحوال وان الوثائق بكافة اشكالها وانواعها هي ناتج عملية التوثيق.
إذن والحال هذه سوف ينتج عن عمليات التوثيق عدد لا يحصى من الوثائق وكنا قد ابعدنا فكرة ان التوثيق هو عملية يراد منها حفظ الوثائق باشكالها المختلفة. السؤال الان كيف يتم حفظ هذه العدد الهائل من الوثائق.؟ والجواب ببساطة هو بالقيام بعملية أرشفة هذه الوثائق. ولعلنا هنا سوف نضع انفسنا في جدل معرفي اخر وهو الفرق بين التوثيق والارشفة. التي قد ينظر اليها البعض على انها مصطلحات مترادفة، اذ غالبا ما نلاحظ في النتاج الفكري العربي المتخصص في مجال المعلومات والمكتبات عبارة ( التوثيق والارشفة) او قد تعرف الارشفة بمفاهيم قريبة من مفاهيم تعريف التوثيق. وهنا احاول ان اميز بين الاثنين بالقول اذا كان ناتج عملية التوثيق هي الوثيقة، فأن ناتج عملية الارشفة هو الارشيف. وعليه يمكن القول ان الارشفة هي العملية التي يراد من خلالها وصف الوثيقة شكلياً وموضوعياً بالاعتماد على معايير محددة يراد منها توفير طريقة لحفظ الوثائق و آلية لاسترجاعها سواء تم هذا الحفظ تقليديا ام آليا. اما الارشيف فهو المحصلة النهائية الذي نصفه بأنه المكان المخصص لحفظ الوثائق والذي يتيح للمستفيدين امكانية الوصول الى الوثائق واسترجاعها يدويا او آليا والافادة منها وفقا لمفاتيح الاسترجاع التي تم اعتمادها في مرحلة الارشفة. ولا فرق بين الارشفة التقليدية او الالكترونية كفلسفة الا في آليات وأدوات تنفيذ عملية الأرشفة. بالنتيجة النهائية يمكن ان نعيد مسار عملية التوثيق مرورا بعملية الارشفة وانتهاءاً بظهور الارشيف. وكالاتي :

ختاما لابد من القول ان مجمل الوثائق يمكن ان تعد مصدراً للمعلومات التاريخية والقانونية... الخ لكن لا يفضل التعامل معها على هذا الاساس ولا يفضل ان يتم حفظها في المكتبات وذلك لان الوثائق تختلف عن مصادر المعلومات الاخرى مثل الكتب والدوريات لانها فريدة من نوعها ونادرة بالتالي من الصعوبة تعويضها في حالة التلف او الفقدان. لهذا تم حفظها في الارشيف وهو مكان يناظر المكتبات في الهدف ويختلف معها في اجراءات الحفظ والاتاحة. اذ غالبا ما تطغى القيمة التاريخية على محتوى الوثائق مقابل القيمة الموضوعية لمحتوى مصادر المعلومات. وبالنظر لضخامة حجم الوثائق وتعدد مصادر انتاجها اصبح مفهوم الارشيف والارشفة المتخصصة ملازم لمعظم المؤسسات الخاصة والعامة اذا من الشائع ان تسمع بالارشيف التلفزيوني والارشيف الصحفي والارشيف الرياضي والارشيف الصحي... فضلا عن الارشيفات الشخصية والادارية ...الخ. بالنتيجة كل من هذه الارشيفات هو المكان المخصص لحفظ الوثائق في مجالها الموضوعي والشكلي.