خوارزمية شجرة القرار - الدكتور طلال ناظم الزهيري

الأحد، 16 أغسطس 2026

خوارزمية شجرة القرار

 

تُعد شجرة القرار (Decision Tree) من خوارزميات التعلم الآلي المستخدمة على نطاق واسع في مهام التصنيف والتنبؤ ودعم اتخاذ القرار. وتتميز بقدرتها على تحويل العلاقات الموجودة في البيانات إلى بنية شجرية يمكن فهمها وتفسيرها بسهولة، الأمر الذي يجعلها مناسبة بصورة خاصة للتطبيقات التي لا تقتصر فيها أهمية النتيجة على معرفة التصنيف النهائي، وإنما تمتد إلى فهم العوامل التي أسهمت في الوصول إليه. تقوم فكرة شجرة القرار على تقسيم البيانات بصورة متتابعة اعتمادًا على مجموعة من الخصائص أو المتغيرات، بحيث يؤدي كل تقسيم إلى فصل البيانات إلى مجموعات أكثر تجانسًا من حيث الفئة المستهدفة. وتتكون الشجرة بصورة عامة من عقدة جذر تمثل نقطة البداية، وعقد داخلية تمثل اختبارات أو شروطًا على خصائص البيانات، وفروع تمثل نتائج تلك الاختبارات، وأوراق نهائية تمثل الفئات أو القرارات التي يصل إليها النموذج.

ومن المهم هنا التمييز بين استخدام خوارزمية شجرة القرار وبين إعادة بناء الخوارزمية برمجيًا. فعندما يستخدم الباحث شجرة القرار في دراسة تطبيقية، فإنه لا يكون مطالبًا بإعادة كتابة الخوارزمية من الصفر أو إعادة اشتقاق جميع معادلاتها الرياضية، لأن خوارزميات التعلم الآلي أصبحت متاحة ضمن مكتبات برمجية متخصصة في لغات البرمجة المختلفة مثل Python + scikit-learn الأكثر شيوعًا في تطبيقات التعلم الآلي.. ويستطيع الباحث استدعاء التنفيذ البرمجي المناسب للخوارزمية، ثم تهيئة بيانات الدراسة وتحديد المتغيرات المطلوبة، وتدريب النموذج واختباره وتقييم أدائه. وتتمثل المهمة المنهجية للباحث في هذه الحالة في اختيار الخوارزمية المناسبة لطبيعة المشكلة والبيانات، وتحديد المتغير المستهدف والخصائص المستخدمة في بناء النموذج، وتجهيز البيانات، وتقسيمها إلى بيانات تدريب واختبار أو استخدام أساليب مناسبة للتحقق من أداء النموذج، ثم ضبط إعداداته عند الحاجة، وأخيرًا تقييم النتائج باستخدام مقاييس مناسبة لطبيعة المهمة البحثية. ولا ينبغي النظر إلى مصطلح شجرة القرار على أنه يشير بالضرورة إلى تنفيذ برمجي واحد؛ إذ توجد خوارزميات وطرائق متعددة لبناء أشجار القرار، من بينها ID3 وC4.5 وC5.0 وCART، وتختلف هذه الخوارزميات في بعض آليات اختيار الخصائص ونقاط الانقسام ومعايير بناء الشجرة. لذلك، عندما تكون الدقة المنهجية وإمكانية إعادة إنتاج الدراسة مهمة، ينبغي للباحث أن يوضح الخوارزمية أو التنفيذ البرمجي الذي استخدمه، والمكتبة البرمجية التي وفرت هذا التنفيذ، وأهم الإعدادات التي اعتمد عليها. وتنتمي شجرة القرار المستخدمة في التصنيف إلى خوارزميات التعلم الخاضع للإشراف؛ لأنها تعتمد عادةً على بيانات تدريب تحتوي على نتائج أو فئات معروفة، بحيث يتعلم النموذج العلاقة بين خصائص البيانات والفئة المستهدفة. وبعد انتهاء التدريب، يمكن استخدام النموذج على بيانات جديدة لم يسبق تصنيفها، بهدف التنبؤ بالفئة المناسبة لها. ومن أهم مزايا شجرة القرار قابليتها العالية للتفسير مقارنةً بعدد من النماذج الأكثر تعقيدًا. فبدلًا من تقديم نتيجة تصنيف مجردة، يمكن في كثير من الحالات تتبع المسار الذي اتبعته البيانات داخل الشجرة وصولًا إلى القرار النهائي. وتكتسب هذه الخاصية أهمية خاصة في مؤسسات المعلومات، حيث قد يحتاج المختص إلى معرفة الأسباب أو الخصائص التي أسهمت في تصنيف وثيقة أو تحديد فئة مستفيد أو اتخاذ قرار يتعلق بمصدر معلومات.

فعلى سبيل المثال، إذا استخدمت المكتبة شجرة قرار لتصنيف المستفيدين وفق أنماط استخدامهم للخدمات الرقمية، فقد يعتمد النموذج على عدد مرات الدخول إلى النظام، وعدد عمليات البحث، واستخدام قواعد البيانات العلمية، وعدد مرات تحميل الوثائق، وعمليات الإعارة، وغيرها من الخصائص. وبناءً على هذه البيانات يمكن للنموذج تصنيف المستفيدين إلى فئات محددة وفق الأنماط التي تعلمها من البيانات السابقة. ومن هنا فإن جودة استخدام شجرة القرار في البحث العلمي لا تعتمد على مجرد استدعاء الخوارزمية من مكتبة برمجية، وإنما على سلامة تصميم التطبيق بأكمله؛ بدءًا من تحديد المشكلة، واختيار البيانات والخصائص المناسبة، وتجهيز البيانات، واختيار الخوارزمية أو التنفيذ الملائم، وتدريب النموذج، واختباره، وتقييمه، ثم تفسير النتائج في ضوء طبيعة المجال العلمي. وبذلك يمكن النظر إلى شجرة القرار بوصفها أداة خوارزمية جاهزة للتوظيف في بناء نماذج التصنيف والتنبؤ، وليس بوصفها خوارزمية يتعين على الباحث إعادة اكتشافها أو برمجتها من الصفر في كل دراسة. وتكمن القيمة العلمية في كيفية توظيفها بصورة صحيحة في المشكلة البحثية، وفي جودة البيانات المستخدمة، واختيار المتغيرات، وتصميم التجربة، وقياس أداء النموذج، وتفسير النتائج، ومدى ملاءمتها للسياق الذي تطبق فيه. وهذا الفهم يساعد الباحث في مؤسسات المعلومات على الانتقال من التركيز على إعادة كتابة الخوارزميات المعروفة إلى التركيز على الاستخدام المنهجي الصحيح للخوارزميات المتاحة لتحقيق أهداف بحثية وتطبيقية واضحة.




 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق