تُعد خوارزمية الجار الأقرب
(K-Nearest Neighbors – KNN) من خوارزميات التعلم الآلي
المستخدمة في التصنيف والتنبؤ، وتقوم فكرتها الأساسية على أن العناصر المتشابهة في
خصائصها تميل إلى الانتماء إلى الفئة نفسها. ولذلك، بدلًا من بناء نموذج معقد
لتحديد الفئة مسبقًا، تبحث الخوارزمية عند وصول بيانات جديدة عن أكثر العناصر
تشابهًا معها ضمن بيانات التدريب، ثم تستخدم هذه العناصر في تحديد الفئة أو القيمة
المتوقعة. وتتميز هذه الخوارزمية ببساطة فكرتها وسهولة تطبيقها، مما يجعلها مناسبة
للعديد من التطبيقات التي تعتمد على قياس التشابه أو المسافة بين البيانات. تبدأ فكرة خوارزمية الجار
الأقرب بتحديد قيمة K، وهي
عدد العناصر الأقرب التي سيعتمد عليها النموذج عند إصدار القرار. فعندما تصل حالة
جديدة إلى النظام، تُقارن خصائصها بخصائص الحالات الموجودة في بيانات التدريب، ثم
تُحسب المسافة أو درجة التشابه بينها وبين تلك الحالات. وبعد تحديد أقرب K حالات، يتم تحديد الفئة الأكثر
تمثيلًا بينها في حالة التصنيف. فإذا كانت غالبية العناصر الأقرب تنتمي إلى فئة
معينة، تُسند الحالة الجديدة عادةً إلى تلك الفئة. ويمكن تصور ذلك في مكتبة جامعية
من خلال مقارنة كتاب جديد بمجموعة من الكتب التي سبق تصنيفها، فإذا كانت الكتب
الأكثر تشابهًا معه تنتمي في معظمها إلى تخصص علوم المعلومات، فقد يصنف الكتاب
الجديد ضمن الفئة نفسها.
ومن المهم هنا التمييز بين استخدام خوارزمية الجار الأقرب وبين
إعادة بناء الخوارزمية برمجيًا. فعندما يستخدم الباحث KNN في
دراسة تطبيقية، فإنه لا يكون مطالبًا بكتابة الخوارزمية من الصفر أو إعادة اشتقاق
آلية حساب المسافات والتصنيف، لأن تنفيذ الخوارزمية متاح ضمن مكتبات التعلم الآلي
في عدد من لغات البرمجة. ففي Python، على
سبيل المثال، تتوفر الخوارزمية ضمن مكتبة scikit-learn
من خلال أدوات مثل KNeighborsClassifier
للتصنيف وKNeighborsRegressor
للتنبؤ بالقيم العددية. كما تتوفر تطبيقات لها في
بيئات برمجية أخرى، مثل R وJava
من خلال مكتبات وأطر متخصصة. ويستطيع الباحث
استدعاء التنفيذ المناسب، ثم تجهيز بيانات الدراسة وتحديد الخصائص واختيار قيمة K وتدريب النموذج واختباره وتقييم
نتائجه. وتختلف KNN عن كثير من خوارزميات التعلم
الآلي في أن مرحلة التدريب فيها بسيطة نسبيًا؛ إذ لا تقوم الخوارزمية عادةً ببناء
نموذج معقد مستقل عن بيانات التدريب، وإنما تحتفظ بالبيانات وتستخدمها عند ظهور
حالة جديدة لإجراء المقارنة وتحديد الجيران الأقرب. ولهذا توصف KNN أحيانًا بأنها من خوارزميات التعلم
الكسول، لأن الجزء الأكبر من عملية تحديد القرار يحدث عند التنبؤ وليس أثناء بناء
نموذج تدريبي تقليدي. ويترتب على ذلك أن أداء الخوارزمية يرتبط بصورة مباشرة بجودة
بيانات التدريب وطريقة تمثيل الخصائص ومقياس المسافة المستخدم. وتنتمي KNN إلى خوارزميات التعلم الخاضع
للإشراف عندما تستخدم في التصنيف أو الانحدار، لأنها تعتمد على بيانات تدريب تحتوي
على نتائج أو فئات معروفة. ففي التصنيف، تبحث الخوارزمية عن الجيران الأقرب إلى
الحالة الجديدة ثم تحدد الفئة استنادًا إلى الفئات التي ينتمي إليها هؤلاء
الجيران. أما في الانحدار، فيمكنها استخدام قيم الجيران الأقرب للتنبؤ بقيمة عددية
للحالة الجديدة. ولذلك يمكن استخدام الخوارزمية في مهام مختلفة، ولا يقتصر دورها
على تصنيف البيانات فقط. وتؤدي
قيمة K دورًا
مهمًا في أداء الخوارزمية. فإذا كانت قيمة K صغيرة
جدًا، فقد يصبح القرار شديد التأثر بحالة واحدة أو بعدد محدود من الحالات القريبة،
مما قد يجعل النموذج حساسًا للضوضاء في البيانات. أما إذا كانت القيمة كبيرة جدًا،
فقد يعتمد القرار على عدد كبير من الحالات، بما فيها حالات أقل تشابهًا مع الحالة
الجديدة، مما قد يقلل من دقة التمييز بين الفئات. ولذلك لا تُختار قيمة K بصورة عشوائية في الدراسات
التطبيقية، وإنما يمكن اختبار مجموعة من القيم واختيار القيمة التي تحقق أفضل أداء
وفق أسلوب تقييم مناسب لطبيعة الدراسة. كما أن اختيار مقياس المسافة يمثل عنصرًا
أساسيًا في عمل KNN. فعندما
تكون البيانات رقمية، يمكن استخدام مقاييس مثل المسافة الإقليدية أو غيرها من
مقاييس المسافة المناسبة لطبيعة البيانات. أما في البيانات النصية، فلا يمكن
التعامل مع النصوص الخام بالطريقة نفسها، وإنما تحتاج الوثائق عادةً إلى تحويلها
إلى تمثيل عددي، مثل تمثيل الكلمات أو المتجهات، ثم استخدام مقياس تشابه أو مسافة
مناسب. ولهذا فإن نجاح KNN في
تطبيقات المعلومات لا يعتمد على الخوارزمية وحدها، وإنما يتأثر أيضًا بالطريقة
التي تم بها تحويل البيانات إلى خصائص قابلة للمقارنة.
ومن أهم مزايا KNN بساطة
فكرتها وسهولة تطبيقها، وعدم حاجتها إلى بناء نموذج رياضي معقد، وقدرتها على
التعامل مع مشكلات التصنيف والانحدار، وإمكانية استخدامها في تطبيقات تعتمد على
التشابه بين الحالات. كما أن إضافة بيانات تدريب جديدة يمكن أن تتم دون الحاجة
بالضرورة إلى إعادة بناء نموذج معقد، لأن الخوارزمية تعتمد مباشرةً على البيانات
المتاحة عند إجراء التنبؤ. ومع
ذلك، فإن للخوارزمية بعض القيود. فقد تصبح عملية التنبؤ مكلفة حسابيًا عندما يكون
عدد سجلات التدريب كبيرًا، لأن البحث عن الجيران يتطلب إجراء مقارنات مع عدد كبير
من الحالات ما لم تستخدم أساليب مناسبة لتسريع البحث. كما تتأثر النتائج بشدة
باختيار الخصائص ومقياس المسافة وقيمة K، وقد تتأثر الخصائص ذات المقاييس العددية المختلفة بنتائج المسافة
إذا لم تتم معالجة البيانات بصورة مناسبة. كذلك يمكن أن تتراجع قدرتها على التمييز
عندما يكون عدد الخصائص كبيرًا جدًا، وهي مشكلة ترتبط بما يعرف بأبعاد البيانات
المرتفعة.
ومن هنا فإن استخدام KNN في
البحث العلمي لا يقتصر على استدعاء الخوارزمية من مكتبة برمجية، وإنما يتطلب تصميم
التطبيق بصورة صحيحة، بدءًا من تحديد المشكلة، وتجهيز البيانات، واختيار الخصائص
المناسبة، وتحويل البيانات إلى تمثيل قابل للمقارنة، واختيار مقياس المسافة
المناسب، وتحديد قيمة K، ثم
تدريب النموذج واختباره وتقييم أدائه. وفي تطبيقات البيانات النصية على وجه
الخصوص، ينبغي الاهتمام بصورة كبيرة بمرحلة تمثيل النصوص، لأن جودة التمثيل تؤثر
بصورة مباشرة في مفهوم "التشابه" الذي تعتمد عليه الخوارزمية. وبذلك يمكن النظر إلى
خوارزمية الجار الأقرب بوصفها أداة خوارزمية جاهزة تعتمد على مبدأ التشابه بين
الحالات لتصنيف البيانات أو التنبؤ بها، وليس بوصفها خوارزمية يتعين على الباحث
إعادة برمجتها من الصفر. وتتمثل القيمة العلمية في اختيارها عندما تكون طبيعة
المشكلة قائمة على التشابه بين الحالات، وفي إعداد البيانات وتمثيلها بصورة صحيحة،
واختيار قيمة K ومقياس
المسافة المناسبين، ثم تقييم النتائج وتفسيرها في ضوء طبيعة المشكلة البحثية
وتطبيقاتها في مؤسسات المعلومات.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق