موقع المجلات الاكاديمية العلمية العراقية واهمية المراجعة والتطوير - الدكتور طلال ناظم الزهيري

الخميس، 23 يوليو 2026

موقع المجلات الاكاديمية العلمية العراقية واهمية المراجعة والتطوير

 


النشر العلمي العالمي يتجه اليوم نحو المنصات الرقمية المتكاملة التي لا تقتصر على عرض البحوث المنشورة وإنما تدير دورة حياة البحث العلمي بأكملها بدءاً من استلام المخطوطات وتحكيمها ومراجعتها وصولاً إلى نشرها وأرشفتها وفهرستها وإتاحتها عالمياً. وقد أصبحت أنظمة إدارة المجلات الإلكترونية أحد أهم مكونات البنية التحتية للبحث العلمي لما توفره من شفافية وكفاءة وسرعة في إدارة عمليات النشر فضلاً عن تعزيز ظهور الإنتاج العلمي في قواعد البيانات ومحركات البحث العالمية. وفي العراق تمثل منصة المجلات الأكاديمية العلمية إحدى المبادرات المهمة لتنظيم النشر العلمي إلا أن التطورات السريعة في مجال النشر الرقمي تفرض ضرورة إعادة تقييم المنصة الحالية بما يتوافق مع المعايير الدولية وأفضل الممارسات في إدارة المجلات العلمية. بداية نشير الى ان  المنصة الحالية تقوم على تجميع المجلات الأكاديمية المعتمدة ضمن موقع مركزي في حين تمتلك غالبية الجامعات والكليات والمراكز البحثية مواقع إلكترونية مستقلة للمجلات التي تصدرها. ويؤدي ذلك إلى تكرار الجهد والإنفاق إذ تتحمل الجهات الأكاديمية تكاليف تشغيل مواقعها بينما تتحمل الوزارة في الوقت نفسه تكاليف تشغيل المنصة المركزية. ومن ثم يبرز تساؤل: هل ينبغي أن تكون المنصة مجرد مستودع أو واجهة لعرض المجلات أم ينبغي أن تتحول إلى نظام وطني متكامل لإدارة النشر العلمي؟. إن الاتجاه العالمي يميل بوضوح إلى الخيار الثاني حيث توفر المنصة خدمات متكاملة لجميع الأطراف المشاركة في عملية النشر. فالغاية من المنصة الوطنية لا ينبغي أن تقتصر على استضافة ملفات البحوث أو توفير روابط للمجلات وإنما ينبغي أن تتحول إلى نظام متكامل لإدارة المجلات العلمية (Journal Management System) بحيث يدير جميع مراحل النشر إلكترونياً ويتيح لكل مستخدم صلاحيات تتناسب مع دوره. ويشمل ذلك:

تسجيل الباحثين والمؤلفين. استقبال البحوث إلكترونياً. توزيع البحوث على هيئة التحرير. اختيار المحكمين وإدارة  عملية التحكيم بسرية. متابعة المراسلات بين المؤلفين والمحكمين وهيئة التحرير. إدارة التعديلات والإصدارات المختلفة للمخطوطات. إصدار قرارات القبول أو الرفض. إعداد الأعداد الدورية. النشر الإلكتروني والأرشفة الرقمية.

وبذلك تصبح جميع إجراءات النشر مؤتمتة وقابلة للتتبع والتوثيق. و ينبغي أن تعتمد المنصة نظاماً متكاملاً لإدارة المستخدمين بحيث يمتلك كل طرف حساباً خاصاً وصلاحيات محددة ومن أبرز الأدوار: الباحث . رئيس التحرير . المحرر المسؤول. أعضاء هيئة التحرير. المحكم العلمي . مدير المجلة. مدير النظام. ويؤدي ذلك إلى اختصار الوقت وتقليل الإجراءات الورقية وتحقيق الشفافية في متابعة حالة البحث منذ لحظة تقديمه وحتى نشره. ومن التحديات الحالية التي رصدناها اختلاف قوالب إعداد البحوث بين مجلة وأخرى مما يربك الباحثين ويزيد من الوقت اللازم لإعادة تنسيق البحوث. ولذلك نقترح اعتماد قالب وطني موحد يحدد او ان يكون لكل مجلة قالبها الخاص الذي يمكن تحميله من موقع المجلة  يتضمن : بنية البحث. أسلوب كتابة العناوين. تنسيق الجداول والأشكال. طريقة كتابة الملخص والكلمات المفتاحية. أسلوب التوثيق. بيانات المؤلفين. كما ينبغي توحيد الحد الأدنى من ضوابط النشر مع منح المجلات المرونة في إضافة متطلبات تخصصية عند الحاجة. ولعل من أهم التحديات التقنية الحالية عدم تمكين محركات البحث من الوصول المباشر إلى المحتوى الكامل للبحوث الأمر الذي يقلل من فرص اكتشافها والاستشهاد بها. وفي ظل اعتماد الباحثين اليوم على محركات البحث الأكاديمية فإن تقييد الوصول إلى المحتوى يؤدي إلى انخفاض انتشار الإنتاج العلمي العراقي عالمياً. والمفارقة ان نسخ البحوث المتاحة على مواقع المجلات الخاصة تظهر في محركات البحث بالنتيجة تكتسب تفضيل واسبقية في الظهر على حساب المنصة. لذلك ينبغي:

السماح لمحركات البحث بفهرسة المحتوى. إنشاء صفحات مستقلة لكل بحث. استخدام بيانات وصفية (Metadata) وفق المعايير الدولية. تحسين بنية الروابط الدائمة (Permalinks). دعم بروتوكولات الفهرسة والأرشفة المعتمدة.

ومن شأن ذلك أن يزيد من ظهور البحوث في نتائج البحث ويرفع معدلات الاطلاع والاستشهاد العلمي. و لا يكتمل التحول الرقمي دون ربط المنصة بالمنظومة العالمية للنشر العلمي وذلك من خلال:

  • منح كل بحث معرف كائن رقمي (DOI).
  • ربط المنصة بخدمات Crossref لإدارة المعرفات المرجعية.
  • دعم معرفات الباحثين مثل ORCID.
  • استخدام معايير تبادل البيانات مع المستودعات وقواعد الفهرسة العالمية.
  • توفير واجهات برمجية (APIs) للتكامل مع الأنظمة الجامعية وقواعد البيانات.

ويؤدي هذا التكامل إلى زيادة موثوقية المجلات العراقية وتعزيز حضورها الدولي. إن تطوير المنصة لتصبح نظاماً وطنياً متكاملاً لإدارة المجلات العلمية سيحقق العديد من المزايا منها:

تقليل ازدواجية الجهود والإنفاق. توحيد إجراءات النشر العلمي. رفع جودة إدارة المجلات. تسريع دورة التحكيم والنشر. زيادة انتشار البحوث العراقية عالمياً. تحسين فرص الاستشهاد العلمي. تعزيز الشفافية وقابلية التتبع.  توفير مؤشرات دقيقة عن أداء المجلات والباحثين. دعم متطلبات الاعتماد الأكاديمي وضمان الجودة.

ختاما تجدر الإشارة إن التحول الرقمي في النشر العلمي لم يعد خياراً بل أصبح ضرورة استراتيجية لتعزيز مكانة البحث العلمي العراقي. ومن هذا المنطلق فإن إعادة تصميم منصة المجلات الأكاديمية العراقية يجب أن تنطلق من رؤية تتجاوز فكرة الموقع الجامع للمجلات إلى بناء نظام وطني متكامل لإدارة النشر العلمي يوفر دورة عمل إلكترونية كاملة ويعتمد المعايير الدولية في إدارة المجلات ويضمن انفتاح المحتوى العلمي على محركات البحث وقواعد البيانات العالمية مع التكامل مع خدمات DOI وCrossref وORCID وغيرها من البنى التحتية الرقمية. ومن شأن هذه الخطوة أن تسهم في رفع كفاءة إدارة المجلات وتعزيز جودة النشر العلمي وزيادة التأثير العالمي للإنتاج البحثي العراقي بما ينسجم مع أهداف التحول الرقمي في مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق