التعليم الجامعي في العراق: مؤشر الاستقرار التشريعي - الدكتور طلال ناظم الزهيري

الخميس، 23 يوليو 2026

التعليم الجامعي في العراق: مؤشر الاستقرار التشريعي

لا يكاد يخلو نقاش حول التعليم الجامعي في العراق من الإشادة بالمستوى العلمي الذي تميزت به الجامعات العراقية خلال ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. وتستند هذه الإشادة إلى شواهد عديدة لعل أبرزها السمعة العلمية التي حظي بها خريجو الجامعات العراقية في مختلف التخصصات وقدرتهم على المنافسة والعمل داخل العراق وخارجه فضلاً عن المكانة الأكاديمية التي احتلها كثير منهم في الجامعات والمؤسسات العلمية العربية والعالمية. ولا أجد سببًا يدعو إلى إنكار هذه الحقيقة غير أن السؤال الذي يستحق التأمل ليس: هل كانت مخرجات التعليم أفضل؟ وإنما: ما الأسباب الحقيقية التي جعلت تلك المخرجات تتمتع بهذا المستوى؟

غالبًا ما تُعزى جودة التعليم في تلك المرحلة إلى قوة المناهج الدراسية أو صرامة الأنظمة الامتحانية أو كفاءة أعضاء هيئة التدريس وهي عوامل لا شك في أهميتها إلا أن الاقتصار عليها قد يغفل عاملًا آخر لا يقل أهمية وربما كان أكثر تأثيرًا وهو الاستقرار التشريعي والمؤسسي الذي حكم عمل الجامعات العراقية لعقود. فالسياسة التعليمية لا تقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الوزارة بل بقدرتها على بناء منظومة مستقرة وواضحة وقابلة للاستمرار. وعندما تكون القواعد ثابتة ويعرف الجميع حقوقهم وواجباتهم وتطبق الأنظمة بعدالة ودون استثناءات واسعة تتكون تدريجيًا ثقافة مؤسسية تقوم على احترام القانون والالتزام بالإجراءات ويتحول الانضباط من كونه التزامًا مفروضًا إلى سلوك مؤسسي راسخ. ومن يتأمل البيئة الجامعية في تلك المرحلة يلاحظ أن الطالب كان يدرك منذ دخوله الجامعة طبيعة المسار الذي ينتظره وما له وما عليه ويعرف متطلبات النجاح والتخرج كما كان عضو هيئة التدريس يعمل ضمن إطار تنظيمي واضح ومستقر  ويتمتع بحصانة وحماية يكفلها له القانون وكانت الإدارات الجامعية تمارس صلاحياتها وفق قواعد لا تتغير باستمرار. ولم يكن ذلك يعني جمود التشريعات وإنما كانت التعديلات تتم عند الحاجة وضمن رؤية واضحة لا استجابة لضغوط آنية أو معالجات ظرفية. ولا يمكن فصل هذا الاستقرار عن البيئة الاجتماعية التي كانت تنظر إلى التعليم بوصفه وسيلة أساسية للحراك الاجتماعي والمهني. فقد كانت الشهادة الجامعية تمثل نقطة تحول في حياة الطالب وكان الحصول عليها يفتح أبواب العمل والاستقرار الوظيفي الأمر الذي عزز الدافعية نحو التعلم والالتزام بالأنظمة الجامعية. كما أن سوق العمل كان قادرًا على استيعاب أعداد كبيرة من الخريجين مما جعل العلاقة بين الجهد الدراسي والعائد المهني علاقة واضحة ومفهومة. في المقابل يلاحظ المتابع اليوم أن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تصدر سنويًا أعدادًا كبيرة من الكتب الرسمية والتعاميم والتوجيهات والتوضيحات والتعديلات والاستثناءات. وليس المقصود هنا التقليل من أهمية هذه الكتب أو التشكيك في دوافع إصدارها فالكثير منها قد يكون ضروريًا لمعالجة قضايا مستجدة أو لمواكبة متغيرات لم تكن موجودة سابقًا. إلا أن تزايدها بصورة مستمرة يثير تساؤلًا مشروعًا حول مدى استقرار الإطار التنظيمي الذي تعمل في ظله الجامعات. فكلما ازدادت الحاجة إلى إصدار تعليمات تفسيرية أو تعديلات متكررة أو استثناءات متلاحقة دل ذلك على أن النظام بحاجة دائمة إلى إعادة ضبط. ومع مرور الوقت قد تتحول كثرة التعديلات إلى مصدر لعدم اليقين سواء بالنسبة للإدارات الجامعية أو أعضاء هيئة التدريس أو الطلبة إذ يصبح الجميع في حالة انتظار دائم لتوجيه جديد أو تعديل أو استثناء قد يغير من آليات العمل أو شروط تطبيق التعليمات. إن قوة أي نظام تعليمي لا تكمن في كثرة التشريعات بل في وضوحها واستقرارها وقابليتها للتطبيق بعدالة. فالاستقرار التشريعي لا يعني مقاومة التغيير وإنما يعني أن يكون التغيير مدروسًا ومبنيًا على رؤية استراتيجية لا مجرد استجابة لضغوط أو معالجات وقتية. فالقوانين المستقرة تخلق مؤسسات مستقرة والمؤسسات المستقرة تنتج بيئة تعليمية أكثر قدرة على تحقيق الجودة. ولعل من المناسب أن يبدأ النقاش اليوم من سؤال مختلف: هل يمكن قياس جودة التعليم من خلال المناهج والمختبرات وأعداد البحوث فقط أم أن هناك مؤشرات أخرى تستحق الدراسة مثل مستوى الاستقرار التشريعي وعدد التعديلات السنوية على الضوابط وحجم الاستثناءات ومدى ثبات السياسات التعليمية عبر الزمن؟

إن إعادة بناء التعليم الجامعي لا تبدأ دائمًا بتغيير المناهج أو استحداث البرامج الدراسية بل قد تبدأ بإعادة بناء الثقة في النظام نفسه من خلال تشريعات مستقرة وإجراءات واضحة ومؤسسات قادرة على العمل وفق قواعد ثابتة وعادلة. فالتعليم الذي يستند إلى بيئة مؤسسية مستقرة يمتلك فرصًا أكبر لإنتاج مخرجات علمية رصينة مهما تغيرت الظروف أو تطورت التقنيات. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق