التعليم الجامعي في العراق: مؤشر الاستقلال المؤسسي - الدكتور طلال ناظم الزهيري

الأحد، 26 يوليو 2026

التعليم الجامعي في العراق: مؤشر الاستقلال المؤسسي

يذهب كثير من الباحثين عند تقييم جودة التعليم الجامعي إلى التركيز على مؤشرات مألوفة مثل تصنيف الجامعات وعدد البحوث المنشورة ونسب التخرج والاعتماد الأكاديمي وكفاءة أعضاء هيئة التدريس. ورغم أهمية هذه المؤشرات فإنها تعكس في الغالب نتائج العملية التعليمية أكثر مما تكشف عن البيئة التي أنتجت تلك النتائج. ومن هنا يبرز سؤال:  هل يمكن الحكم على جودة التعليم من خلال درجة استقلال المؤسسة الجامعية؟. الذي لا نقصد به انفصال الجامعة عن الدولة أو خروجها عن الإطار القانوني وإنما نقصد قدرة المؤسسة الجامعية على إدارة شؤونها الأكاديمية والإدارية وفق تشريعات مستقرة وصلاحيات واضحة وآليات موضوعية بعيدًا عن التدخلات غير الأكاديمية أو الضغوط الظرفية التي تؤثر في صناعة القرار الجامعي. فالجامعة التي تعمل في بيئة مستقرة وتمارس صلاحياتها ضمن إطار قانوني واضح تكون أكثر قدرة على التخطيط بعيد المدى وتطوير برامجها واستقطاب الكفاءات والمحافظة على معاييرها الأكاديمية. أما عندما تصبح القرارات الأكاديمية عرضة للتعديل المستمر أو الاستثناءات المتكررة أو التدخلات التي تتجاوز الأطر المؤسسية فإن ذلك ينعكس تدريجيًا على استقرار العملية التعليمية وجودة مخرجاتها. ولعل من المهم التمييز بين الرقابة والتدخل. فالرقابة ضرورة لضمان حسن الأداء والالتزام بالقوانين أما التدخل في التفاصيل التنفيذية أو الأكاديمية فإنه قد يحد من قدرة الجامعة على ممارسة دورها العلمي وفق أسس مهنية. فالجامعة تحتاج إلى مساءلة واضحة لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى مساحة كافية لاتخاذ القرار الأكاديمي المسؤول. ولذلك فإن استقلال المؤسسة الجامعية لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه امتيازًا إداريًا بل باعتباره أحد المقومات الأساسية لضمان الجودة. فكلما كانت المؤسسة أكثر قدرة على تطبيق لوائحها بصورة ثابته واتخاذ قراراتها وفق معايير معلنة ازدادت ثقة المجتمع بها وتعززت هيبتها الأكاديمية. وانطلاقًا من ذلك يمكن التفكير في الاستقلال المؤسسي بوصفه مؤشرًا تحليليًا يساعد على فهم البيئة الجامعية وليس مجرد وصف إداري. ويمكن أن يتكون هذا المؤشر من مجموعة عناصر من أبرزها: استقرار التشريعات واللوائح المنظمة للعمل الجامعي. كما قدمنا في مقال سابق. كذلك وضوح الصلاحيات بين الوزارة والجامعة والكليات. مع التأكيد على محدودية الاستثناءات في تطبيق الأنظمة. فضلا عن استقلال القرارات الأكاديمية المتعلقة بالمناهج والتقويم والبحث العلمي ضمن الإطار الوطني. وضرورة خضوع جميع القرارات للمساءلة القانونية دون تمييز. ولا يعني ذلك أن زيادة الاستقلال تؤدي تلقائيًا إلى تحسين جودة التعليم كما أن المركزية ليست بالضرورة سببًا للتراجع. فالعلاقة بينهما أكثر تعقيدًا وتتأثر بعوامل أخرى مثل كفاءة القيادات الجامعية ومستوى التمويل والثقافة المؤسسية والسياسات الوطنية للتعليم العالي. غير أن تجاهل الاستقلال المؤسسي عند تقييم جودة التعليم يحرم الباحثين من فهم أحد المتغيرات التي قد يكون لها أثر بالغ في أداء الجامعات. إن تطوير التعليم الجامعي لا يقتصر على تحديث المناهج أو إدخال التقنيات الحديثة أو تحسين البنية التحتية بل يتطلب أيضًا بناء بيئة مؤسسية مستقرة تتمتع بصلاحيات واضحة ومسؤوليات محددة لأن الجامعة التي لا تملك القدرة على إدارة شؤونها الأكاديمية وفق قواعد مستقرة ستجد صعوبة في بناء ثقافة جودة مستدامة. ولعل المرحلة المقبلة تستدعي التفكير في تطوير أدوات علمية لقياس الاستقلال المؤسسي في الجامعات بما يتيح دراسة علاقته بجودة المخرجات والإنتاج العلمي وثقة المجتمع وكفاءة الأداء الإداري. فمثل هذه المؤشرات قد تقدم رؤية أكثر عمقًا من الاقتصار على المؤشرات التقليدية وتفتح بابًا جديدًا للبحث في مستقبل التعليم الجامعي في العراق.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق